|
-
نظرة عامة إلى حراسة الأراضي المقدسة في القرن التاسع عشر:
قد تكون صورة حراسة الأراضي المقدسة في القرن التاسع عشرمبهمة بالنسبة
للإنسان المعاصر، ولكن تنجلي الأفكار والتساؤلات إذا أدرك الجذور
التاريخية لنشأة الحراسة· وأهم العوامل التي أدّت إلى تكوينها وإضفاء
طابع مميز عليها ما يلي:
- تكوّنت حراسة الأماكٙ? المقدسة بعد الحروب الصليبية، في جو ساده
العِداء بين الشرق المسلم والغرب المسيحي·
- لا جدوى لقيام حروب صٙ?يبية جديدة لتحرير الأماكن المقدسة، فتوجّه
الرهبان لتحقيق وجودهم ومآربهم بالمال والسياسة، فتمّ شراء الأماكن
المقدسة، وبهما تمّ الحفاظ عليها· فاستنجد الرهبان بالممالك المسيحية
لجمع ما يلزمهم من أموال، والتوسّط لدى حكام فلسطين للحفاظ على حقوقهم
ومكتسباتهم·
- العصر الذي تشكّلت في?ه حراسة الأراضي المقدسة وغيرها من الكنائس لم
يكن عصر الوحدة المسكونية المسيحية، ولم يجر التنسيق بين الطوائف
والكنائس المسيحية في سبيل عمل مشترك بل ساد بينها التنافر، وغدت
الدولة حَـكماً في فضّ اشتباكات الطوائف حول الأماكن المقدسة: "فقد وقف
العثمانيون حَـكماً بين اليهود والمسيحيين وبين الأرثوذكس والكاثوليك
وبين الروم واللاتين"(17)· وكان المستفيد مالياً من هذه النزاعات حول
الأماكن المقدسة سلاطين الدول الحاكمة في الصفقات الكبيرة، وصغار
الحكام والولاة في الصفقات الصغيرة المتكررة· فلا بدّ لحراسة الأراضي
المقدسة من الالتجاء إلى الدول المسيحية الكبرى خاصة فرنسا، لتمويل هذه
الصفقات وللضغط على الباب العالي لتأكيد حقوق الرهبان· ولعل حرب القرم
في منتصف القرن الماضي خير دليل على ذلك·
- في عصر ما قبل الحركة المسكونية المسيحية لم تتورع الطوائف المسيحية
على اختلاف فئاتها، من اكتساب الأتباع من الطوائف الأخرى· وكان
للإغراءات المالية والمضايقات دور كبير في انتقال المؤمنين من طائفة
إلى أخرى، وتمّ هذا الانتقال أحياناً سعياً وراء الحماية التي تمتعت
بها تلك الطائفة من قبل دولة أجنبية ضمن نظامي الملل والامتيازات،
وخصوصاً عندما ضعفت السلطنة العثمانية وفقدت هيبتها أمام القوى العظمى·
- قامت الكنيسة بدور ال?دولة في تأمين بعض الخدمات الاجتماعية
والاقتصادية والتعليمية، إذ تخلّت الدولة كلياً أو جزئياً عن واجبها في
هذه المجالات·
وقد أدّت هذه العوامل مجتمعةً وأخرى غيرها إلى تكوين الصورة التالية
لحراسة الأراضي المقدسة: فقد امتدت صلاحيات الحارس الروحية على سائر
الكاثوليك المقيمين في فلسطين، ما عدا الروم الكاثوليك في الجليل
التابعين لأسقفية صور، وكان للحارس امتياز خاص برفع راية الحراسة فوق
مبانيها ومراكزها· ومن ناحية التنظيم الداخلي فقد كان الحارس إيطالياً
ونائبه فرنسياً ووكيل المالية ونائبه إسبانيين· ويتكون مجلس الحراسة من
أربعة أعضاء من أربع جنسيات مختلفة، إيطالي وإسباني وفرنسي وألماني،
"إن الحراسة كما ترون عالمية في تركيبها ومتعددة الجنسيات ولكن تظل
الصفة الإيطالية غالبة عليها"(18)· ويقيم حارس الأراضي المقدسة في دير
المخلص في القدس منذ عام 1559، وقد اشتراه الرهبان من الجورجيين بعدما
أخلى الفرنسيسيون دير جبل صهيون عام 1551·
أمّا تنظيم الحراسة الخارجي فهو انعكاس لمهمة الرهبان في الأماكن
المقدسة، ولذا انقسموا إلى فئتين: الفئة الأولى تتولى السهر على
الأماكن المقدسة وصيانتها وإقامة الشعائر الدينية فيها، والفئة الثانية
تتألف من الفرنسيسيين المُرسلين، وتتولى الدعوة إلى الكثلكة والعناية
بالمسيحيين الكاثوليكيين(19)·
وعدد الرهبان حسب باتريم (Patrem)
عام 1879 نحو 300 راهب، منهم مئة كاهن ومئة راهب يعملون في الشؤون
الراعوية· ويقيم أغلبية الرهبان في فلسطين، وقلة في مصر وسوريا
وأرمينيا· وعدد الرهبان الذين خدموا في البلاد المقدسة بين عامي 1862 -
1889، 531 راهباً· إذْ إن بعض الرهبان قضى سنة أو سنتين في فلسطين ثم
عاد إلى بلاده، وارتبط آخرون نهائياً بالحراسة· وعدد الرهبان الذين
عادوا إلى بلادهم الأصلية في الفترة المذكورة آنفاً بلغ 223 راهباً،
وعدد المتوفين 233 راهباً(20)· وتفيد إحصائية أخرى عام 1889 أنّ عدد
الرهبان 414 راهباً(21)، وعام 1898 بلغ عددهم 483 راهباً(22)·
كان تجمع الرهبان حول الأماكن المقدسة الرئيسة: القدس وبيت لحم
والناصرة، وحول هذه الأماكن نشأت الأديار والمدارس والمياتم
والمستوصفات والمراكز الحرفية· ولكل دير رئيس ويعمل معه عدد من الرهبان
يشكّلون معاً وحدة ديرية متكاملة مُنَظّمة، تتبع حارس الأراضي المقدسة
المقيم في دير المخلص بالقدس·
ومنذ قرون مضت وحتى منتصف القرن التاسع عشر، عندما أعيد تأسيس
البطريركية اللاتينية وأقيمت الأسقفية الأنكليكانية والمدارس
الأرثوذكسية، كانت أديار الرهبان بما يتبعها من مرافق المراكز الأكثر
فاعلية، إن لم تكن الوحيدة في بعض الحقب التاريخية· وفيما يلي أهم أوجه
العمل الرهباني الفرنسيسي في فلسطين·
|