|
- المـــدارس والمـــيـــاتم:
يرد ذكر أول مدرسة أنشأها الآباء الفرنسيسيون في بيت لحم في مذكرات
الرحالة يوهانس كوتفيك (Iohannes
Cotwyck)
الذي حجّ إلى القدس عام 1598، فوجد "مدرسة للأطفال في بيت لحم في دير
الرهبان الأصاغر، وهي مدرسة موجودة من قبل· ويتبع مسيحيو بيت لحم الطقس
اليوناني وأقلية منهم يتبعون الطقس اللاتيني· ولكنهم جميعاً يتقنون
اللغة الإيطالية التي يسمونها لغة الإفرنج ويتعلمونها وهم صغار· ويقوم
كبارهم بدور التراجمة للرهبان الأصاغر والحجاج الغربيين، ولهذا يهتمون
بتعليم أبنائهم اللغة الايطالية على يد الرهبان ليشرفوا على اشغال
الدير· وهم حسب شهادة الرهبان يقومون بهذين العملين حتى الآن، دراسة
اللغة واشغال الدير بنشاط وأمانة"(43)· ويستنتج انشيللي (Incelli)
من هذا النص وغيره أنّ هذه المدرسة البسيطة الصغيرة في بيت لحم قد
وُجدت في مطلع القرن السادس عشر، أو ربما في أواخر القرن الخامس
عشر(44)· وجاء في مجمع الرهبنة الفرنسيسية المنعقد في طليطلة عام 1645
: "يُقرر أنّ أبناء التراجمة وغيرهم من الذين يخدمون الأديار في القدس
وبيت لحم والناصرة أنّ يُعلّمُوا ويُربوا في الدين المسيحي إلى أن
يبلغوا التاسعة من عمرهم، ثم يُعادوا إلى أهلهم - ويضيف المجمع -
وليُعْطَوا وجبة الغذاء لتغذيتهم، أما في المساء فليذهبوا إلى بيوتهم
لطعام العشاء"(45)·
لهذا ظهرت المدارس الفرنسيسية تلبيةً لحاجة عملية، وهي تزويد حراسة
الأراضي المقدسة بعدد وافرٍ من المسيحيين يُتقنون لغة أجنبية للعمل في
الأديار ولخدمة الحجاج كمترجمين· وفي القرن السابع عشر، انفقت حراسة
الأراضي المقدسة على عشرين مدرسة كما جاء في تقرير حارس الأراضي
المقدسة فرانشيسكو دا سان فلورو (Francesco
da San Floro)
عام 1699· وقامت هذه المدارس حول الأديار ومجموع طلابها 188 طالباً،
وكان نصيب فلسطين ست مدارس، والبقية في سوريا وقبرص ومصر وإسطنبول·
"فقد جرت العادة على فتح مدرسة في كل دير على أمل أن تكون هذه المدارس
- عاجلاًَ أم آجلا-ً مصدر خير وعلم"(46)· وعمّا تُعلّمه هذه المدارس،
كتب الأب برناردينو سوريو (Bernardino
Surio)
الذي عاش في فلسطين بين عامي 1644 - 1647: "يُعلم رهبانُنا الأولاد
الإيمان الكاثوليكي والعلوم، فيخلف الأولاد آباءَهم كمترجمين، وفي ذلك
فائدة لخيرهم الروحي والجسدي"(47)· أما في مدرسة القدس، فقد ذكر آخر
أنّ برنامج التعليم يشمل الترنيم الكنسي والموسيقي واللغة الإيطالية
واللاتينية والتعليم المسيحي"(48)·
في القرن الثامن عشر لم تتطور المدارس، بل تدنى عدد طلابها أحياناً
بسبب الأحوال العامة المضطربة وانتشار الطاعون الذي حدا بالرهبان إلى
إغلاق المدارس خوفاً من انتشار العدوى، وعدم توفير المدرسة فرصاً
ومجالات للعمل إلاّ مهنة الترجمة الضيقة الأفق المحدودة، فلم تُؤهل
المدرسة خريجيها لمهنة يكسبون بها عيشهم، ورأوا فيها فائدة دينية
وأدبية فقط(49)· فعدد المدارس في القرن الثامن عشر تراوح بين 7 - 10
مدارس في فلسطين وسوريا ومصر، وعدد طلابها بين 168 - 354 طالباً(50)·
نَعِمَت حراسة الأراضي المقدسة منذ منتصف القرن التاسع عشر بفترة
ازدهار وسلام، فشرعت بترميم أديارها ومدارسها وتحسين مستوى التعليم،
وتحويل المدارس من مدارس خاصة إلى عامة وفتحها لكافة فئات المواطنين·
وحتى عام 1841 اقتصرت المدارس على الذكور، فافتُتِحَت أول مدرسة للإناث
في القدس ثم في الناصرة وبيت لحم· وعيّن الرئيس العام للرهبنة
الفرنسيسية مفتشاً عاماً للمدارس، واجبه العمل على ازدهار المدارس
وتنظيمها وزيادة عددها·
في عام 1846 أوصى البابا بيوس التاسع: "بأن يحافظ على وجود المدارس
المتوفرة في حراسة الأراضي المقدسة بكل الوسائل المتاحة وأن تزوّد كل
رعية كبيرة بمدرسة للبنين وأخرى للبنات"(51)· وجرى تعاون مثمر بين
الحراسة والبطريركية اللاتينية في مجال التربية والتعليم، فَعُهِدَ عام
1848 إلى راهبات مار يوسف بالإشراف على مدارس البنات في القدس ويافا
وبيت لحم· ورحّّب الآباء الفرنسيسيون بإخوة المدارس المسيحية، وعدّوا
مدرستهم مدرسة راعوية لأبناء طائفة القدس، وساهموا في نفقات المدرسة·
وفي عام 1871 انضمّت فرنسيسيات قلب مريم الطاهر للعمل في مدارس الإناث
في فلسطين· وفي الإحصاءات الفرنسيسية الرسمية جاء أنّ عدد المدارس بلغ
في عام 1895 - 1896 54 مدرسة في كافة أنحاء الحراسة، منها 36 للذكور،
18 للإناث، ومجموع طلابها 4224 طالباً، وعدد المعلمين 60 معلماً(52)·
جرت العادة في حراسة الأراضي المقدسة أن يتقصى الرهبان عن الأيتام في
رعاياهم، ويعهدوا بتربيتهم إلى عائلات ميسورة يترعرعون في كنفها على
نفقة الحراسة، التي تقدم للعائلة كل ما يلزم لمعيشة اليتيم· وتراوح عدد
الأيتام الذين ترعاهم الحراسة بين 250 - 300 يتيم سنوياً (53)· وقد
أتاح مجيء الجمعيات الرهبانية النسائية إلى فلسطين في النصف الثاني من
القرن التاسع عشر تجميع الأيتام في مياتم خاصة تديرها الراهبات، ففي
عام 1889، رعى الفرنسيسيون ميتمين، أحدهما للأولاد وعدد نزلائه ستة
وأربعون نزيلاً، وآخر للبنات وعدد نزيلاته أربعون نزيلة(54)· وبعد أن
ينُهي الأيتام المرحلة الابتدائية، يتوجهون إلى تعلّم إحدى الحرف في
معامل حراسة الأراضي المقدسة·
|